فصل: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: القول المفيد على كتاب التوحيد (نسخة منقحة)



.باب من الشرك النذر لغير الله:

النذر لغير الله مثل أن يقول: لفلان علي نذر، أو لهذا القبر علي نذر، أو لجبريل علي نذر، يريد بذلك التقرب إليهم، وما أشبه ذلك.
والفرق بينه وبين نذر المعصية: أن النذر لغير الله ليس لله أصلًا، ونذر المعصية، ولكنه على معصية من معاصيه، مثل أن يقول: لله على نذر أن أفعل كذا وكذا من معاصي الله، فيكون النذر والمنذور معصية، ونظير هذا الحلف بالله على شيء محرم، والحلف بغير الله، فالحلف بغير الله مثل: والنبي، لأفعلن كذا وكذا، ونظيره النذر لغير الله، والحلف بالله على محرم، مثل: والله، لأسرقن، ونظيره نذر المعصية، وحكم النذر لغير الله شرك، لأنه عبادة للمنذور له، وإذا كان عبادة، فقد صرفها لغير الله، فيكون مشركًا.
وهذا النذر لغير الله لا ينعقد إطلاقًا، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كالحلف بغير الله فلا ينعقد وليس فيه كفارة.
وأما نذر المعصية، فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين، كالحلف بالله على المحرم ينعقد، وفيه كفارة.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
وقول الله تعالى: {يوفون بالنذر} [الإنسان: 7].
* الأولى: قوله: {يوفون بالنذر}، هذه الآية سيقت لمدح الأبرار، {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا} [الإنسان: 5].
ومدحهم بهذا يقتضي أن يكون عبادة، لأن الإنسان لا يمدح ولا يستحق دخول الجنة إلا بفعل شيء يكون عباده.
ولو أعقب المؤلف هذه الآية بقوله تعالى: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29]، لكان أوضح، لأن قوله: {وليوفوا نذورهم} أمر، والأمر بوفائه يدل على أنه عبادة، لأن العبادة ما أمر به شرعًا.
وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببًا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة، فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك.
وقوله: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} [البقرة: 270].
* الآية الثانية قوله: {وما أنفقتم}.
{ما}: شرطية، و: {أنفقتم}: فعل الشرط، وجوابه: {فإن الله يعلمه}.
قوله: {من نفقة}، بيان لـ: {ما} في قوله: {ما أنفقتم}، والنفقة: بذل المال، وقد يكون في الخير، وقد يكون في غيره.
قوله: {أو نذرتم}، معطوف على قوله: {وما أنفقتم}.
قوله: {فإن الله يعلمه}، تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء، إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازى الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله قال: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه».
قوله: (وفي الصحيح)، سبق الكلام على مثل هذا التعبير في باب تفسير التوحيد (ص 146).
قوله: «من نذر»، جملة شرطية تفيد العموم، وهل تشمل الصغير؟
قال بعض العلماء: تشمله، فينعقد النذر منه.
وقيل: لا تشمله، لأن الصغير ليس أهلًا للإلزام ولا للالتزام، وبناء على هذا يخرج الصغير من هذا العموم، لأنه ليس أهلًا للإلزام ولا للالتزام.
قوله: «أن يطيع الله»، الطاعة: هي موافقة الأمر، أي: توافق الله فيما يريد منك إن أمرك، فالطاعة فعل المأمور به، وإن نهاك، فالطاعة ترك المنهي عنه، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة.
أما إذا قيل: طاعة ومعصية، فالطاعة لفعل الأوامر، والمعصية لفعل النواهي.
قوله: «فليطعه»، الفاء واقعة في جواب الشرط، لأن الجملة إنشائية طلبية، واللام لام الأمر.
وظاهر الحديث: يشمل ما إذا كانت الطاعة المنذورة جنسها واجب، كالصلاة والحج وغيرهما، أو غير واجب، كتعليم العلم وغيره.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب الوفاء بالنذر إلا إذا كان جنس الطاعة واجبًا، وعموم الحديث يرد عليهم.
وظاهر الحديث أيضًا يشمل من نذر طاعة نذرًا مطلقًا ليس له سبب، مثل: (لله علي أن أصوم ثلاثة أيام).
ومن نذر نذرًا معلقًا، مثل: إن نجحت، فلله علي أن صوم ثلاثة أيام.
ومن فرق بينهما، فليس يجيد لأن الحديث عام.
وأعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، وإنما يستخرج به من البخيل، ولهذا نهى عنه النبي، وبعض العلماء يحرمه، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه، ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه، وكم من إنسان نذر وأخيرًا ندم، وربما لم يفعل.
ويدل لقوة القول بتحريم النذر قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن} [النور: 53]، فهذا التزام مؤكد بالقسم فيشبه النذر.
قال الله تعالى: {قل لا تقسموا طاعة معروفة} [النور: 53]، أي: عليكم طاعة معروفة بدون يمين، والإنسان الذي لا يفعل الطاعة إلا بالنذر، أو حلف على نفسه يعني أن الطاعة ثقيلة عليه.
ومما يدل على قوة القول بالتحريم أيضًا خصوصًا النذر المعلق: أن النادر كأنه غير واثق بالله- عز وجل-، فكأنه يعتقد أن الله لا يعطيه الشفاء إلا إذا أعطاه مقابلة، ولهذا إذا أيسوا من البرء ذهبوا ينذرون، وفي هذا سوء ظن بالله- عز وجل-.
والقول بالتحريم قول وجيه.
فإن قيل: كيف تحرمون ما أثنى الله على من وفى به؟
فالجواب: أننا لا نقول: إن الوفاء هو المحرم حتى يقال: إننا هدمنا النص، إنما نقول: المحرم أو المكروه كراهة شديدة هو عقد النذر، وفرق بين عقده ووفائه، فالعقد ابتدائي، والوفاء في ثاني الحال تنفيذ لما نذر.
قوله: «ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه»، لا: ناهية، والنهي بحسب المعصية، فإن كانت المعصية حرامًا، فالوفاء بالنذر حرام، وإن كانت المعصية مكروهة، فالوفاء بالنذر مكروه، لأن المعصية الوقوع فيما نهي عنه، والمنهي عنه ينقسم عند أهل العلم إلى قسمين: منهي عنه نهي تحريم، ومنهي عنه نهي تنزيه.
* فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غير الله شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
فيه مسائل:
* الأولى: وجوب الوفاء بالنذر، يعني: نذر الطاعة فقط، لقوله: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه»، ولقول المؤلف في المسألة الثالثة: إن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
* الثانية: إذا ثبت كونه عبادة، فصرفه إلى غير الله شرك، وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك.
* الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، لقوله: «من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه».

.باب من الشرك الاستعاذة بغير الله:

قوله: (من الشرك)، من: للتبعيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها، لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالإستعانة.
وقول الله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا} [الجن: 6].
قوله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس}، الواو: حرف عطف، و: {أن}: فتحت همزتها بسبب عطفها على قوله: {أنه استمع نفر من الجن}.
قال ابن مالك:
وهمز إن افتح لسد مصدر ** مسدها وفي سوى ذاك اكسر

فيؤول بمصدر، أي: قل أوحي إلى استماع نفر وكون رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن.
قوله: {من الإنس}، صفة لرجال، لأن رجال نكرة، وما بعد النكرة صفة لها.
قوله: {يعوذون}، الجملة خبر كان، ويقال: عاذ به ولاذ به، فالعياذ مما يخاف، واللياذ فيما يؤمل، وعليه قول الشاعر يخاطب ممدوحة، ولا يصلح ما قاله إلا لله:
يا من ألوذ به فيما أأمله ** ومن أعود به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ** ولا يهيضون عظمًا أنت جابره

قوله: {يعوذون برجال من الجن}، أي: يلتجئون إليهم مما يحاذرونه، يظنون أنهم يعيذونهم، ولكن زادوهم رهقًا، أي: خوفًا وذعرًا، وكان العرب في الجاهلية إذا نزلوا في واد نادوا بأعلى أصواتهم: أعود بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
قوله: {رهقًا}، أي: ذعرًا وخوفًا، بل الرهق أشد من مجرد الذعر والخوف، فكأنهم مع ذعرهم وخوفهم أرهقهم وأضعفهم شيء، فالذعر والخوف في القلوب والرهق في الأبدان.
وهذه الآية تدل على أن الاستعاذة بالجن حرام، لأنها لا تفيد المستعيذ، بل تزيده رهقًا، فعقب بنقيض قصده، وهذا ظاهر، فتكون الواو ضمير الجن والهاء ضمير الإنس.
وقيل: إن الإنس زادوا الجن رهقًا، أي: استكبارًا وعتوًا، ولكن الصحيح الأول.
قوله: {برجال من الجن}، يستفاد منه أن للجن رجالًا، ولهم إناث، وربما يجامع الرجل من الجن الأنثى من بني آدم، وكذلك العكس الرجل من بني آدم قد يجامع الأنثى من الجن، وقد ذكر الفقهاء الخلاف في وجوب الغسل بهذا الإجماع.
والفقهاء يقولون في باب الغسل، لو قالت، أن بها جنيًّا يجامعها كالرجل، وجب عليها الغسل، وأما أن الرجل يجامع الأنثى من الجن، فقد قيل ذلك، لكن لم أره في كلام أهل العلم، وإنما أساطير تقال، والله أعلم.
لكن علينا أن نصدق بوجودهم، وأنهم مكلفون، وبأن منهم الصالحين ومنهم دون ذلك، وبأن منهم المسلمين والقاسطين، وبأن منهم رجالًا ونساء.
وجه الاستشهاد بالآية: ذم المستعيذين بغير الله، والمستعيذ بالشيء لا شك أنه قد علق رجاءه به، واعتمد عليه، وهذا نوع من الشرك.
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله يقول: «من نزل منزلًا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم.
قوله: (كلمات)، من جموع القلة، لأنه جمع مؤنث سالم، وجموع القلة من ثلاثة إلى عشرة، والكثرة ما فوق ذلك.
وقيل: جموع الكثرة من ثلاثة إلى ما لا نهاية له، فيكون جمع القلة والكثرة يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الانتهاء.
قال ابن مالك:
أفعلة أفعل ثم فعله ** ثمت أفعال جموع قله

وبعض ذي بكثرة وضعًا يفي ** كأرجل والعكس جاء كالصفي

والراجح: أن جموع القلة تدل على الكثرة بالدليل.
و: (كلمات): جمع قلة دال على الكثرة لوجود الدليل، قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا يمثله مدادًا} [الكهف: 109].
وأبلغ من هذا قوله تعالى: {ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [لقمان: 27].
والمراد بالكلمات هنا: الكلمات الكونية والشرعية.
وقوله: (من نزل منزلًا) يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدائمة، أو الطارئة، بدليل أنه نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
وقوله: (أعوذ) بمعنى: ألتجئ وأعتصم.
قوله: (التامات)، تمام الكلام بأمرين:
1- الصدق في الأخبار.
2- العدل في الأحكام.
قال الله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا} [الأنعام: 115].
قوله: (من شر ما خلق)، أي: من شر الذي خلق، لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرًا، فكان خيرًا.
وعلى هذا تكون (ما) موصولة لا غير، أي: من شر الذي خلق، لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك، لكان الخلق هنا مصدرًا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضًا المفعول، لكن لو جعلتها اسمًا موصلًا تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق.
وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
1- شر محض، كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير.
2- خير محض، كالجنة، والرسل، والملائكة.
3- فيه شر وخير، كالإنس، والجن، والحيوان.
وأنت إنما تستعيذ من شر ما فيه شر.
قوله: (لم يضره شيء)، نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم من شر كل ذي شر من الجن والإنس وغيرهم والظاهر الخفي حتى يرتحل من منزله، لأن هذا خبر لا يمكن أن يتخلف مخبره، لأنه كلام الصادق المصدوق، لكن إن تخلف، فهو لوجود مانع لا لقصور السبب أو تخلف الخبر.
ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي من الأسباب الشرعية إذا فعلت ولم يحصل المسبب، فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، مثل: قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرأها بعض الناس ولا يشفى المريض، وليس ذلك قصورًا في السبب، بل لوجود مانع بين السبب وأثره.
ومنه: التسمية عند الجماع، فإنها تمنع ضرر الشيطان للولد، وقد توجد التسمية ويضر الشيطان الولد لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تفتش ما هو المانع حتى تزيله فيحصل لك أثر السبب.
قال القرطبي: وقد جربت ذلك، حتى إني نسيت ذات يوم، فدخلت منزلي ولم أقل ذلك، فلدغتني عقرب.
والشاهد من الحديث: قوله: «أعوذ بكلمات الله».
والمؤلف يقول في الترجمة: الاستعاذة بغير الله، وهنا استعاذة بالكلمات، ولم يستعذ بالله، فلماذا؟
أجيب: أن كلمات الله صفة من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته، ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق، لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز في مثل هذا الأمر، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي إلى الاستعاذة بها.
ولهذا كان المراد من كلام المؤلف: الاستعاذة بغير الله، أي: أو صفة من صفاته.
وفي الحديث: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، وهنا استعاذ بعزة الله وقدرته، ولم يستعذ بالله، والعزة والقدرة من صفات الله، وهي ليست مخلوقة.
ولهذا يجوز القسم بالله وبصفاته، لأنها غير مخلوقة.
أما القسم بالآيات، فإن أراد الآيات الشرعية، فجائز، وإن أراد الآيات الكونية، فغير جائز.
أما الاستعاذة بالمخلوق، ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه، فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة)، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه لا يعصمك من الشرك الذي لا يقدر عليه إلا الله، سوى الله.
ومن ذلك أيضًا الاستعاذة بأصحاب القبور، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، فالاستعاذة بهم شرك أكبر، سواء كان عند قبورهم أم بعيدًا عنهم.
أما الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه، فهي جائزة، وقد أشار إلى ذلك الشارح الشيخ سليمان في (تيسير العزيز الحميد)، وهو مقتضى الأحاديث الواردة في (صحيح مسلم) لما ذكر النبي الفتن، قال: «فمن وجد من ذلك ملجأ، فليعذ به».
وكذلك قصة المرأة التي عاذت بأم سلمة، والغلام الذي عاذ بالنبي، وكذلك في قصة الذين يستعيذون بالحرم والكعبة، وما أشبه ذلك.
وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم، فلا شيء فيه.
لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه في الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ، فهذا شرك، لأن هذا لا يكون إلا الله.
وعلى هذا، فكلام الشيخ رحمه الله في قوله: (إن الأئمة لا يجوزون الاستعاذة بمخلوق) مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، ولولا أن النصوص وردت بالتفصيل لأخذنا الكلام على إطلاقه، وقلنا: لا يجوز الاستعاذة بغير الله مطلقًا.
* فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية، من كف شر أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك.
فيه مسائل:
* الأولى: تفسير آية الجن، وقد سبق ذلك في أول الباب.
* الثانية: كونه من الشرك، أي: الاستعاذة بغير الله، وقد سبق التفصيل في ذلك.
* الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وجه الاستشهاد: أن الاستعاذة بكلمات الله لا تخرج عن كونها استعاذة بالله، لأنها صفة من صفاته.
* الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره، أي: فائدته، وهي أنه لا يضرك شيء ما دمت في هذا المنزل.
* الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من الشرك، ومعنى كلامه: أنه قد يكون الشيء من الشرك، ولو حصل لك فيه منفعة، فلا يلزم من حصول النفع أن ينتفي الشرك، فالإنسان قد ينتفع بما هو شرك.
مثال ذلك: الجن، فقد يعيذونك، وهذا شرك مع أن فيه منفعة.
مثال آخر: قد يسجد إنسان لملك، فيهبه أموالًا وقصورًا، وهذا شرك مع أن فيه منفعة، ومن ذلك ما يحصل لغلاة المداحين لملوكهم لأجل العطاء، فلا يخرجهم ذلك عن كونهم مشركين.
قال بعضهم:
فكن كما شئت يا من لا نظير له ** وكيف شئت فما خلق يدانيك

وفي الحديث فائدة، وهي: أن الشرع لا يبطل أمرًا من أمور الجاهلية إلا ذكر ما هو خير منه، ففي الجاهلية كانوا يستعيذون بالجن، فأبدل بهذه الكلمات، وهي: أن يستعيذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
وهذه الطريقة هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، أنه إذا سد الناس باب الشر، وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير، ولا يقول: حرام، ويسكت، بل يقول: هذا حرام، وافعل كذا وكذا من المباح بدلًا عنه، وهذا له أمثلة في القرآن والسنة.
فمن القرآن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104]، فلما نهاهم عن قول: {راعنا} ذكر لهم ما يقوم مقامه وهو: {انظرنا}.
ومن السنة قوله لمن نهاه عن بيع الصاع من التمر الطيب بالصاعين، والصاعين بالثلاثة: «بع الجمع بالدراهم، واشتر بالدراهم جنيبًا».
فلما منعه من المحذور، فتح له الباب السليم الذي لا محذور فيه.